جدتي مَيّمَهَ
قبل 70 عام تقريباً جاءت جدتي لأبي فاطمة بنت ابن عمر الابييرية رحمها الله الى مكة المكرمة، وعُرفت بلقب (بنت المسلمين)، وكان يسيمها أبناؤها وأحفادها (ميمة)، حيث اشتهرت به عند الكثير
ولم تكن رحلتها نحو
الحرم المكي سهلة أبداً، إذ عانت فيها كثيراً وهي تنتقل من دولة الى أخرى، في ظروف
سفر قاسية جداً مرّت فيها بعدة دول، قبل ان تمكث فترة للعلاج في دولة السودان، وفور
وصولها عبر البحر الى مكة المكرمة، وإتمامها لمناسك الحج اشترت أرضاً في محلة
الرصيفة بمكة (قرب محطة قطار الحرمين حالياً)، وعمرّت فيها عمارة من طابقين، لتفوز
بغايتها الأسمى عبر السكنى بجوار البيت الحرام، وكأنها رحمها تتمثل قول الشاعر:
من
حسن حظي أن مكة مولدي ... والبيت والركن المكرم منزلي
ولأنها رحمها
الله كانت متعلمة جداً طفقت من قلب المسجد الحرام في تعليم الأجيال القران الكريم
والسيرة النبوية والفقه والشعر العربي وقصص التاريخ، وغيرها من العلوم المتنوعة
حيث كانت رحمة الله عليها جامعة مُتنقلة، تُبهر الجميع بحديثها، ويستأنس من
بحضرتها بحكايات لا تُمل.
ورغم أنها كانت
في الستين من عمرها تقريباً إلا انها كانت تملك طاقة عجيبة، حينما كانت تقوم بكل
شيء تقريباً بنفسها! فتطبخ وتُعد الشاهي وتعتني بشؤون المنزل، وتقرأ الكثير من
أجزاء القران الكريم بشكل يومي، وتتابع مع طلابها دراستهم، وغيرها من المهام التي
يعجز من هو أصغر منها عن القيام بها عليها رحمة الله
ورغم سنها
المُتقدمة وبداوتها المُتأصلة إلا انها كانت تمتلك ذكاء عاطفياً منقطع النظير،
حينما انسجمت مع جيرانها في مكة المكرمة، وواصلت مد الجسور، وتوطيد العلاقات مع
المجتمع المكي الذي دخلت إليه من أوسع أبوابه، حينما تعرَّفت على عائلة الشيخ محمد
نور سيف وعائلة الشيبي الذين حباهم الله سبحانه الله بسدانة الكعبة المشرفة،
وعائلة الشيباني، وغيرهم من العائلات المكية العريقة.
كان لديها جدول
يومي مزدحم بالتدريس حينما تبدأ بتعليم طلابها الخاصين ومعهم أحفادها، وكانت تنتقي
طلابها بعناية، فلا تقبل في مدرستها سوى من لمست فيهم حب العلم والرغبة في حفظ
القران الكريم، الذي كان شغلها الشاغل عليها رحمة الله
لقد أحبها آل
الشيبي قاطبة، وأصبحت هي الشيخة التي يحتفون بها، ويستضيفونها بحفاوة بالغة في
منازلهم، وتفسر لهم أحلامهم، ويستشيرونها في شتى أمور حياتهم الشخصية، وكأنها
المدرب الشخصي الموثوق الذي تستنير بإرشاداته حياتهم، ولأنهم كانوا يرونها بركة
المكان فقد سكنت لديهم فترة من الزمان في منزلهم الكائن بحي الششة بمكة المكرمة
وهذا لم يأتِ من
فراغ؛ فالراحلة عليها رحمة الله عاشت حياة غريبة جداً حينما فقدت العديد من
أبنائها عليهم رحمة الله، وعاش منهم أبي وعمي رحمهما الله
وبعد ذلك حزمت أمرها
وتوجهت تلقاء بيت الله الحرام لتستقر بجواره، ضاربة المثل الأسمى في تعظيم البلد
الحرام من خلال تعليم العديد من العلوم للأجيال، ومن أسماها القران الكريم، وكانت
تُسمي نفسها (بنت المسلمين) شغفاً منها بنفع الناس، وتأكيداً على تخلصها من جميع
العوالق عليها رحمة الله
حينما استعرض
حياتها – وما خفي كان أعظم – تصيبني الدهشة من الصلابة والقوة التي كانت تتميّز
بها هذه الفاضلة المناضلة عليها رحمة الله، والتي كانت بألف رجل في قوة التحمل،
والايمان الكبير بالله سبحانه وتعالى، وأنه سيحقق لها ما تريد في كل مكان وزمان
ولم يكن هذا
الايمان الراسخ محض كلام، بل كان امتثال كامل لقوله تعالى (وَمَا تُقَدِّمُوا
لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ)، فيومها كله كان ينقسم بين
تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى، وتدارس علومه الشريفة، وتعليم الأجيال القران
الكريم، والإحسان على الفقراء من الهدايا التي تصلها من صفوة المجتمع المكي، لتكون
بذلك حلقة وصل نابضة بالخير، تمنح اهل الاحتياج كل شيء، حتى يكاد ألا تبقي عندها
شيء عليها رحمة الله
وينتابني شعور
الفخر حينما ألتقي ببعض الرجال الذين قاربوا الستين من عمرهم، ويحدثوني بشغف عنها،
وعن ذكرياتهم معها، والأثر العلمي والتربوي الذي أبقته في قلوبهم، والتأثير
الإيجابي الذي أورثته في أفئدتهم، ويتمثل جمال هذا المشهد في قولهم:
قد
مات قوم وما ماتت فضائلهم ... وعاش قوم وهم في الناس أموات
وتوالت عليّ
القصص من ابي رحمه الله، ومن أمي وأختي الكبرى حفظهما الله، ومن أبرز طلابها
وابنها المقرب جداً منها الشيخ حمادي سيد علي حفظه الله، وغيرهم من اهل الفضل
الذين أغدقوا عليّ بالحكايات الكثيرة عنها
والتي وصفوا لي
فيها بدقة عالية كيف كانت تعيش أيامها في العطاء بشتى أشكاله، وكيف كانت تقضي
يومها المثمر، وما في ذلك من تفاصيل لا تمل، تصف حياة مليئة بالروحانية والجمال
والسكينة والسلام، حياة محورها القران الكريم حيث الأنس بالله سبحانه وتعالى
وبعد قدومها
بفترة لحق بها ابنها البار بها أبي عبد العزيز الكنتي رحمها الله الذي لم يستطيع
البعد عنها كثيراً، فكان خير رفيق لها في مكة المكرمة، وكانت هي بهجته، وظلا معاً
حتى كان القدر المحتوم
فأثناء زيارتها
المعتادة لعائلة آل الشيبي – سدنة الكعبة المشرفة - لم تكن تدري انها الزيارة
الأخيرة، فمكثت عندهم يومين، وفي يومها الثاني، وبعد أن أدت صلاة المغرب واثناء
صلاة السُنَّة سجدت لله سبحانه وتعالى ولم ترفع رأسها للأبد، راحلةً الى الرفيق
الأعلى الذي اشتاقت له في جُلّ حياتها وهي لا تفارقه كتابه العزيز الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه ومن خلفه، في خاتمة حسنة يتمناها أكثر من ملياري مسلم حول
العالم عليها رحمة الله
ويقول عنها أقرب
طلابها الى قلبها وأكثرهم مرافقةً لها الشيخ حمادي سيد علي الكنتي: (أكرمني الله
بالسكنى معها عليها رحمة الله، وكانت تسميني "ولدي"، ودرست عليها القران
الكريم وكتاب الطهارة من شرح ابن عاشر، وقرة عيون الابصار في سيرة الشفيع المختار
صلى الله عليه وسلم، ومنظومة المهيب.. وفي يوم الاجازة يوم الجمعة كانت تقرأ لي
بعض الطُرف من كتاب المستطرف في كل فن مستظرف، وكتاب بدائع الزهور في مواقع الدهور،
وغيرها من كتب القصص، وكانت تختم القران ثلاث مرات في الأسبوع، وكنت في آخر
أعوامها حياتها انا الطالب الوحيد عندها، وظلّت تدرسني حتى ختمت القران الكريم
عندها، وكانت تراجعه معي بشكل يومي رحمها الله)
وصلَّت عليها
جموع المصلين في المسجد الحرام الذي سكنت بجواره لعدة عقود كانت اعوامها كلها
مثمرة بالعطاء، وشعيها ابي رحمه الله وتلاميذها ومحبيها الى مثواها الأخير في
مقبرة المعلاة بمكة المكرمة.
وإن رحل جسدها
الطاهر إلا أنها لم ترحل من القلوب الذين يتذكرونها دائماً وأبداً بالخير والعطاء،
ولايزال حتى اليوم المجلس لا يكتمل إلا بقصصها البهيجة عليها رحمة الله.
وكانت وفاتها
بعد ولادتي بعدة شهور مما حرمني الفوز بلقياها، ولكنني فُزت بهؤلاء الكرام من
عائلاتها وطلابها الذين أكرموني بقصصها النافعة، وخلّدوا تاريخها العظيم الذي
يستحق أن يكون في كتاب عليها رحمة الله
وعلى ذات الطريق
سار بعدها أبي رحمه الله الذي كان عام وفاتها بالنسبة له "عام الحزن"،
ولكنه ظل وفياً لتربيتها، وسائراً على طريقها القويم حتى لقي الله سبحانه وتعالى
حاجاً بلباس الإحرام، بعد إتمام مناسكه عام 2004 عليه رحمة الله، ليُدفن قريباً من
قبرها في مقبرة المعلاة رحمه الله برحماته الواسعة واسكنه فسيح جناته.
كتبه: حمد
عبدالعزيز الكنتي

تعليقات
إرسال تعليق